الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

105

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المسلمين . والإخبار في قوله : إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي إلى قوله : سِخْرِيًّا مستعمل في كون المتكلم عالما بمضمون الخبر بقرينة أن المخاطب يعلم أحوال نفسه . وتأكيد الخبر ب ( إن ) وضمير الشأن للتعجيل بإرهابهم . وجملة إِنِّي جَزَيْتُهُمُ خبر ( إن ) الأولى لزيادة التأكيد . وتقدم نظيره في قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا في سورة الكهف [ 30 ] . والسخري بضم السين في قراءة نافع والكسائي وأبي جعفر وخلف ، وبكسر السين في قراءة الباقين ، وهما وجهان ومعناهما واحد عند المحققين من أئمة اللغة لا فرق بينهما خلافا لأبي عبيدة والكسائي والفراء الذين جعلوا المكسور مأخوذا من سخر بمعنى هزأ ، والمضموم مأخوذا من السخرة بضم السين وهي الاستخدام بلا أجر . فلما قصد منه المبالغة في حصول المصدر أدخلت ياء النسبة كما يقال : الخصوصية لمصدر الخصوص . وسلط الاتخاذ على المصدر للمبالغة كما يوصف بالمصدر . والمعنى : اتخذتموهم مسخورا بهم ، فنصب سِخْرِيًّا على أنه مفعول ثان ل فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ . و حَتَّى ابتدائية ومعنى ( حتى ) الابتدائية معنى فاء السببية فهي استعارة تبعية . شبه التسبب القوي بالغاية فاستعملت فيه ( حتى ) . والمعنى : أنكم لهوتم عن التأمل فيما جاء به القرآن من الذكر ، لأنهم سخروا منهم لأجل أنهم مسلمون فقد سخروا من الدين الذي كان اتباعهم إياه سبب السخرية بهم فكيف يرجى من هؤلاء التذكر بذلك الذكر وهو من دواعي السخرية بأهله . وتقدم الكلام على فعل ( سخر ) عند قوله : فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ في سورة الأنعام [ 10 ] وقوله : فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ في سورة براءة [ 79 ] . فإسناد الإنساء إلى الفريق مجاز عقلي لأنهم سببه ، أو هو مجاز بالحذف بتقدير : حتى أنساكم السخري بهم ذكري . والقرينة على الأول معنوية وعلى الثاني لفظية . وقوله : أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ قرأه الجمهور بفتح همزة ( أن ) على معنى المصدرية والتأكيد ، أي جزيتهم بأنهم . وقرأه حمزة والكسائي بكسر همزة ( إن ) على التأكيد فقط فتكون استئنافا بيانيا للجزاء . وضمير الفصل للاختصاص ، أي هم الفائزون لا أنتم .